محمد أبو زهرة
1816
زهرة التفاسير
ونجد النص الكريم لم يذكر الذين قعدوا بمذمة صريحة ، وفي هذا إشارة إلى أن الغزو والخروج للجهاد فرض كفاية ، وليس فرض عين ، وذلك إذا لم يكن المسلمون في حاجة إلى كل القادرين . ومهما يكن ، فالخارجون للجهاد لهم الفضل الأعظم . وقد بين سبحانه عظيم الأجر بأنه يرفع المجاهد درجات عند الله تعالى ، فقال سبحانه مبينا ذلك : دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً هذا بيان للأجر العظيم الذي يعلو به المجاهد بنفسه وماله عن القاعد كسلا أو تراخيا ، أو لأنه سبقه غيره إلى الجهاد . وهذا الأجر مكون من عناصر ثلاثة : أولها : أن الله تعالى يرفعه درجات ، ويقربه إليه سبحانه منازل يوم القيامة ، فيكون في مرتبة الصديقين والأنبياء والصالحين ؛ إذ إن الشهداء الذين أخلصوا النية في جهادهم ، والمجاهدين الذين تعرضوا لشرف الاستشهاد لهم المنازل العليا ، والمقامات الكبرى . ونكرت الدرجات لبيان أنها لا يحدها الحصر ، ولا يعينها المقدار ، بل هي شرف عظيم لا يناله إلا المقربون الأبرار . ثانيها : أن الله تعالى يغفر له ما تقدم من ذنبه ، فإن الحسنات يذهبن السيئات ، وأي حسنات أعظم من تقديم النفس والنفيس . ثالثها : الرحمة تنزل بالمجاهد ، فإنه يكون مغمورا برحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة : ففي الدنيا براحة الضمير وأداء الواجب ، والإحساس بأنه كان سببا للرحمة بالمؤمنين ؛ إذ وقاهم شر العدو ، ومنعه من أن يتحكم فيهم ، ودفع عنهم الفتنة في دينهم ، وجعل الدين خالصا لوجهه الكريم ، ومنع الفساد في الأرض . وفي الآخرة بالثواب العظيم . وقد ختم الله تعالى النص بأن الغفران والرحمة وصفان دائمان لذاته العلية ، لا ينفصلان عنها ، وفي ذلك دعوة لكل من يكسل عن الجهاد لأن يعمل ، وللعاصي ليتوب ، فإن باب المغفرة مفتوح قد فتحه الغفور ، وباب الرحمة متسع قد وسعه الرحيم . اللهم اكتبنا في عبادك التائبين ، واغفر لنا ، إنك أنت الغفور الرحيم .